لماذا نحتاج إلى ثورة في التعليم الإسلامي – مقال رأي

لماذا نحتاج إلى ثورة في التعليم الإسلامي

وهذا يتطلب إعداد مناهج دراسية جديدة تستند إلى فلسفة المعايير والنتائج، وليس مجرد حشو معلومات.

لقد عانت الدول العربية والإسلامية من اختلالات في نظام التعليم، مما أعاق تقدمها وتنميتها على مدى عقود. وتعكس هذه الاختلالات حالة من الارتباك العام في أوساط النخبة المثقفة التي ظلت، في العديد من البلدان، ممزقة بين التمسك بالماضي والتطلع إلى المستقبل، وبين ما تعتبره أصيلاً وجديرًا بالحفظ مقابل ما تعتبره حديثًا وضروريًّا. وقد استمر هذا الارتباك منذ عصر الحملة الفرنسية على مصر والشام في نهاية القرن الثامن عشر. ففي ذلك الوقت، اكتشف العرب والمسلمون أن أوروبا قد حققت قفزات حضارية كبيرة في مجالات مثل التكنولوجيا العسكرية الحديثة والمعدات المدنية، بما في ذلك أجهزة الطباعة والاتصالات.


ومنذ ذلك الحين، ظل العرب والمسلمون في حيرة بين الماضي بكل مجده وعظمته، والحاضر بكل تراجعه وتخلفه، والمستقبل الذي لا يعرفون كيف يتجهون نحوه. ولذلك، فإن جذور الأزمات التعليمية في معظم المجتمعات العربية والإسلامية تكمن في عدم اليقين بشأن الاتجاه الذي ينبغي أن يُوجه إليه تركيز التعليم.


هل ينبغي أن يركز التعليم على عظمة الحضارات الإسلامية الماضية وتراثها في الفقه والتقدم الفكري؟ أم ينبغي أن ينصب التركيز على فهم الحاضر والمضي قدمًا نحو المستقبل؟ أم ينبغي أن يكون مزيجًا من الاثنين معًا؟ وإذا قررنا المزج بين الماضي والمستقبل، فما هي النسبة التي ينبغي أن نأخذها من كل منهما، وما هي المكونات التي ندرجها في هذا المزيج؟ للأسف، اختارت معظم المجتمعات التطلع إلى الماضي، ولم يختر الحاضر سوى القليل منها، ولم يفضل المستقبل أحد تقريبًا. وهذا ما يفسر المشاكل والأزمات العديدة التي يعاني منها العالمان العربي والإسلامي.

لم يكن ظهور التنظيمات الإرهابية العنيفة حدثًا عابرًا ولا ظاهرة طبيعية؛ بل كان نتيجة منطقية لنظام تعليمي ركز على تدريس الماضي. وقد أنتج هذا النظام أجيالًا من الأشخاص التائهين الذين يعيشون في أعماق الماضي، وغائبين عن الحاضر، ولا يعلقون أي آمال على المستقبل. انضمت هذه الأجيال إلى جماعات إرهابية متنوعة، حيث تعلموا فيها عن الماضي وحاولوا العيش فيه. أرادوا إحياء الماضي وتكراره لأنه، في نظرهم، يمثل الإسلام النقي.
التعليم هو عملية مخططة تُستخدم لتصميم المستقبل. ويهدف إلى إعداد أشخاص ينقلون ثقافتهم وهويتهم ودينهم وقيمهم إلى ذلك المستقبل. قد يستعير التعليم بعض المعتقدات والقيم والهويات الثقافية من الماضي، لكنه لا يمكنه استعارة الأحداث التاريخية الفعلية، أو السلوكيات التي عفا عليها الزمن، أو أساليب اللبس والمظهر. يجب أن نوجه التعليم نحو المستقبل مع الحفاظ على المكونات الأكثر قابلية للاستمرار في الهوية المشتركة: ديننا وقيمنا وثقافتنا الوطنية.


يتعين على المجتمعات العربية والإسلامية أن تركز في تعليمها على المستقبل، وأن تضع الماضي في سياقه الطبيعي باعتباره مصدراً للدروس التاريخية ومستودعاً للقيم واحترام الذات والهوية. فالدين، بصفته الوحي الخالد، لا يحده المكان والزمان، ولا يمكن حصره في الماضي أو الحاضر أو المستقبل. ولذلك، من الضروري إعادة النظر باستمرار في التربية الدينية وتجديدها بما يتناسب مع كل مرحلة زمنية.


لقد دأبتُ دائمًا على الدعوة إلى التجديد المستمر للمناهج الدراسية في العلوم الإسلامية، بهدف إدراج أمثلة ونماذج وحالات معاصرة، حتى لا يسود انطباع بأن الدين مستورد من أعماق التاريخ، بل أن يوجه الطلاب نحو عيش حياة أفضل في سياق الحاضر.

لن تتطور مجتمعاتنا ما لم يدرك المربون أن التعليم عملية ومشروع موجهان نحو المستقبل، وليس مجرد وسيلة لإعادة صياغة التاريخ والانغماس في أمجاد الماضي التي لم يعد بإمكاننا تكرارها. ولذلك، يجب أن تخضع أنظمة التعليم في بلداننا لعملية إعادة هيكلة شاملة، بعيدًا عن نظام التعلم عن ظهر قلب والحفظ الذي لا يشجع التفكير المستقل، نحو عصر جديد.


وهذا يتطلب إعداد مناهج دراسية جديدة تستند إلى فلسفة المعايير والنتائج، لا إلى مجرد حشو معلوماتي. كما يتطلب أن يكون المعلمون مؤهلين وقادرين على تنفيذ المناهج الحديثة وتحويل المعايير والنتائج التقليدية إلى موضوعات وأنشطة وتطبيقات. ويحتاج هذا النوع من المعلمين إلى مؤسسات للتعليم العالي ومرافق تعليمية حديثة توفر أساليب ومناهج وموارد تعليمية معاصرة، بالإضافة إلى وسائل التدريب وأدوات الاختبار والتقييم.


وهذا يتطلب ثورة تعليمية في العالم العربي والإسلامي؛ ثورة وحركة إصلاحية تعيد إلى التعليم هيبته ومكانته وجاذبيته في المجتمع، وتضع المعلم في مصاف النخبة الاجتماعية العليا. فالمعلمون هم من يصنعون ويشكلون أهم أصول المجتمع، وبالتالي يتحملون المسؤولية الأساسية عن أمن المجتمع والدولة في المستقبل. ولهذا السبب، فإننا نأتمنهم على أثمن ما نملك.


يجب على جميع المجتمعات أن تعتبر التعليم خط الدفاع الأول ضد أي تهديد – فهو المؤسسة السيادية الرائدة والحصن الأسمى الذي يدافع عن أمن الدولة القومية. ويجب أن يكون التعليم الأولوية الرئيسية في ميزانيات الدولة. فقد حققت الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، قفزات كبيرة في مجال تطوير التعليم، حيث خصصت 17% من الميزانية الاتحادية للفترة 2019–2021 للتعليم. وما كان من الممكن تحقيق ذلك لولا وعي القيادة الإماراتية بأهمية التعليم في ضمان مجتمع مستقر ومزدهر ومتسامح يسهم بفعالية في بناء الحضارة الإنسانية.


وبمجرد أن تقر المجتمعات بأن التعليم هو العامل الرئيسي المسؤول عن تحقيق التسامح والسلام – أو الكراهية والعنف والإرهاب – فإنها تُدفع إلى اتخاذ خطوات جريئة لإصلاح التعليم، وإعادة النظر بشكل دوري في هيكل المناهج الدراسية، وإجراء مراجعات منتظمة لمنهجياتها ومحتواها التعليمي، بما في ذلك القيم والمعارف والأفكار ووجهات النظر والمواقف السلوكية التي تتبناها.


وفي هذا السياق، يجب أن تتولى عملية التجديد السلطات المختصة، أي الخبراء المتخصصون في علم اللاهوت وعلم التربية وعلم الاجتماع وعلم الإنسان وعلم النفس. ويجب أن يكون لدينا مجموعة متنوعة من فرق العمل والخبراء المتخصصين في جميع المجالات الضرورية، الذين سيتعاونون بشكل وثيق لإنجاز مهمتهم. ولا يجب أن نترك عملية الإصلاح لللاهوتيين أو علماء الدين وحدهم.


الدكتور علي راشد النعيمي هو عضو في المجلس الوطني الاتحادي لدولة الإمارات العربية المتحدة عن إمارة أبوظبي، ورئيس لجنة الدفاع والداخلية والشؤون الخارجية بالمجلس. وقد شغل سابقًا منصب رئيس جامعة الإمارات العربية المتحدة، ويشغل حاليًا منصب أول رئيس لمركز «هداية» لمكافحة التطرف العنيف، الذي يقع مقره في أبوظبي. تويتر: @Dralnoaimi

مصدر المقال: https://www.jpost.com/opinion/why-an-islamic-education-revolution-is-needed-opinion-653050