في الوقت الذي يشهد فيه العالم انزلاق أوروبا إلى موجة أخرى من التطرف الإسلامي العنيف، حان الوقت لكي يتصدى القادة — ليس في فرنسا فحسب، بل في جميع أنحاء الغرب — لتحدي الاندماج.
في غضون أقل من شهرين، شهدت فرنسا ثلاثة هجمات دموية استهدفت المدنيين باسم الإسلام، وهو الإسلام الذي اختطفه هؤلاء المتطرفون. ومع الهجوم بالسكين الذي وقع الأسبوع الماضي على القنصلية الفرنسية في جدة بالمملكة العربية السعودية، والهجوم الذي وقع يوم الاثنين في فيينا، يتضح أن هذا التهديد عالمي النطاق أكثر مما كان يدركه الكثيرون.
الأول يتم التعبير عنه داخل فرنسا من قبل أعضاء جماعة الإخوان المسلمين الذين يقفون إلى جانب الحكومة ويدينون أعمال العنف. وفي الوقت نفسه، يقوم قادة جماعة الإخوان المسلمين خارج فرنسا، ولا سيما في العالم الإسلامي، بإشعال حملة عالمية ضد فرنسا والرئيسماكرون.

وتساعد هذه الرواية الأخيرة الجماعات المتطرفة على تحويل الحكومة الفرنسية إلى عدو سهل. فهي عازمة على الترويج لفكرة وجود حرب بين الحكومة الفرنسية والإسلام، وهو فخ يجب ألا يقع الغرب في شراكه. وفي الوقت الذي تكافح فيه جماعات مثل «القاعدة» و«الدولة الإسلامية» من أجل الحفاظ على دورها، تكتسب طبيعة هذه الرواية أهمية أكبر من أي وقت مضى.
يجب أن يطمئن الاندماج المسلمين إلى أنه بإمكانهم الحفاظ على دينهم، وفي الوقت نفسه، الشعور بفخر وطني ووطنية تتجاوزان حدود الدين بكثير. وطالما لم يتم معالجة هذه الولاءات المتضاربة، فسيظل هناك تهديد للأمن القومي.
يجب على فرنسا أن تكسب قلوب وعقول المسلمين داخل فرنسا وخارجها على حد سواء، وقد حان الوقت لرسم خط فاصل بين الإسلام الحقيقي — وهو دين السلام والتسامح — والمنظمات الإرهابية التي تروج لخطاب «نحن ضدهم». ومن الأهمية بمكان أن يقود قادة الجالية المسلمة هذه الحملة وأن يستفيدوا من الثقة التي يحظون بها لدى السكان المسلمين.
ومع ذلك، فإنهويةهؤلاء القادة لا تقل أهمية عن ذلك، حيث أن هناك الكثيرين الذين يستفيدون من الانقسامات التي أوجدها المجتمع الفرنسي. لذا، يجب على القادة المسلمين الذين يؤمنون حقًّا بضرورة سحق التطرف أن يتقدموا ويحاولوا الدفاع عن أمن واستقرار أمتهم؛ وعليهم أن يتحلوا بالشجاعة لمواجهة جميع خطابات الكراهية، وفي نهاية المطاف، إدانة الفظائع.

لكن هناك جانبًا آخر لهذه القضية. فمن الواضح أن الشعار الوطني الفرنسي «الحرية، المساواة، الإخاء» لا يُطبق على أرض الواقع عندما يتعلق الأمر باحترام الدين.
طالما أن فرنسا تسمح بأن تشمل حرية التعبير إهانة النبي، فإنها تكرس رواية مزدوجة. نحن نتحدث بلغتين. ففي حين ناضل الغرب من أجل حرية التعبير واعتبرها قيمة مقدسة، فإن احترام النبي والدين يعد أمرًا مقدسًا أيضًا بالنسبة لأتباع الإسلام.
علينا أن نحقق توازنًا لنكسب احترام كل طرف. يجب توعية المجتمعات المسلمة بالأسباب التي تدفع القادة الغربيين إلى تعزيز حرية التعبير والدفاع عنها، وبالمثل، هناك حاجة إلى توعية عامة الناس، وكذلك القادة السياسيين والمعلمين والمجتمع ككل، بالأسباب التي تجعل المسلمين يشعرون بأن من حقهم أيضًا حماية اسم النبي.
ينبغي أن يولد هذا الحوار تعاطفاً مع المشاعر الدينية، تماماً كما يجب على الجالية المسلمة أن تتفهم حق الفرنسيين في الدفاع عن تراثهم.
لا ينبغي النظر إلى التطرف الإسلامي من منظور ليبرالي غربي، بل من خلال فهم عميق لجوهر الدين. عندها فقط يمكن للحكومات أن تصل إلى جوهر المشكلة.
يجب أن يشارك جميع أصحاب المصلحة في البلاد في هذه العملية؛ بما في ذلك النظام التعليمي، وقادة المجتمع المحلي، والقيادات الدينية، والشخصيات العامة، والشرطة، والمنظمات غير الحكومية، وذلك من أجل تعزيز القيم التي من شأنها أن توحد الناس على أساس الاحترام والثقة بين جميع المجتمعات المحلية في تلك الدولة.
بالنسبة للسياسيين الفرنسيين، يمثل هذا الأمر مشكلة سياسية؛ وتشاطرهم العديد من الحكومات الغربية الرأي نفسه. أما الأجهزة الأمنية فتتعامل مع الأمر باعتباره تهديدًا أمنيًا. أما القادة الدينيون فيتعاملون معه باعتباره قضية دينية. لكن بدلاً من أن تعالج المصالح المتناثرة جانبها فقط من القضية، ينبغي على الأطراف المعنية أن تشكل قوة موحدة.

