ثقافة الاختلاف السياسي

مقال للدكتور علي

الاختلاف هو سمة إنسانية تميز الإنسان في شكله ولونه وصفاته، وقد نتج عن ذلك تباين في تفكير البشر، وتعدد في آرائهم، وتنوع في مواقفهم، بحيث يتقبل الناس التعايش وفقًا لهذا الاختلاف الطبيعي الذي خلقهم الله عز وجل عليه. ونتيجة لهذا الاختلاف الفطري، نتج عن ذلك اختلاف الآراء، وتعدد المواقف سواءً على المستوى الشخصي أو الجماعي.

ومع التنوع الفطري، فإن تعدد الآراء يؤدي في بعض الأحيان إلى مواقف تثير الخلاف، وإذا لم تُدار بحكمة، فقد يتحول تعدد الآراء إلى صراع وأزمات. ويرتبط هذا بثقافة المجتمع وتراثه الفكري. ولذلك نجد أن هناك مجتمعات تمكنت من إدارة الاختلاف، ووظفته بما يخدم مصالح المجتمع ويثري ثقافة الفرد. في حين أن هناك مجتمعات أخرى لم تتمكن من إدارة هذا الاختلاف، بل أصبحت تعاني من أي اختلاف في الآراء والمواقف والمصالح، بحيث تحول إلى أزمات وصراعات تتحول بدورها إلى عداوات، ومن بينها النخب السياسية في العالم العربي التي لم تنجح في الغالب في إدارة الاختلاف وصياغة ثقافة خاصة به.

فالعمل السياسي لا يمكن أن يتحقق من خلال التوافق المستمر في الآراء، بل إن المواقف السياسية بطبيعتها تُبنى على تعددية الآراء واختلافها وتنوعها، لدرجة أنك تجد في الأسرة الواحدة والمنزل الواحد أن الإخوة والأخوات لديهم آراء مختلفة حول القضية السياسية نفسها. وينطبق هذا على القادة والمسؤولين السياسيين العرب، حيث لا يمكن للعرب أن يتفقوا في كل قضية سياسية على موقف واحد، بل هناك نسبة توافق ونسبة اختلاف تتزايد أو تتناقص حسب التوجهات السياسية والمصالح المرتبطة بها. ولذلك، فإن إرساء ثقافة الاختلاف في العالم العربي يصبح ضرورة لخدمة العمل العربي المشترك، والحفاظ على المصالح الوطنية لجميع العرب، بحيث نتعايش مع ما نختلف عليه لصالح ما نتفق عليه بيننا، فلا ينبغي أن نحول اختلافاً في قضية واحدة إلى مشروع أزمة وعداوة وصراع على حساب ما اتفقنا عليه فيما بيننا، وهو ما يمثل الغالبية العظمى من القضايا التي تخدم العمل العربي المشترك.

وكذلك لا ينبغي أن نحول خلافاً على المستوى السياسي إلى خلاف بين الشعوب يتحول إلى صراعٍ لا يمكن إدارته أو السيطرة عليه، وبالذات في عصرنا هذا، حيث تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في التأثير على الشعوب، وتأجيج مشاعر الجماهير، وتحديد مواقفها وتوجهاتها السياسية. وإذا خرج الخلاف عن السيطرة من خلال إدارة واعية له، فإنه يفتح آفاقاً لزعزعة الاستقرار وتشكيل تهديدات للأمن القومي والعبث بالثوابت المتفق عليها، مما قد يفتح باباً للمتربصين أو للآخرين لاستهداف المصالح العربية واستغلال هذا الاختلاف، بما يخدم أجندة تعمل على تمزيق العرب وتفريقهم واستغلال اختلافاتهم.

وعلينا أن نتعلم أن أزمات الماضي جزء من تاريخ انقضى، فلا ينبغي لنا أن نعيش تلك الأزمات ونرهن مستقبل أوطاننا بأزمات تجاوزها الزمن، ولذلك فإن ما نختلف عليه اليوم قد يكون سببًا لتوافقنا غدًا.

    *رئيس المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة.

https://www.alittihad.ae/opinion/4361423/: مصدر المقال